عبد الوهاب الشعراني
156
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
مكان الجميع ، وكان رضي اللّه عنه يقول علم التوحيد قد طوى بساطه منذ عشرين سنة والناس يتكلمون في حواشيه وسئل عن الإنسان يكون هادئا فإذا سمع السماع اضطرب فقال إن اللّه تعالى لما خاطب الذرية في الميثاق الأول بقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 1 » استقرعت عذوبة سماع كلام الأرواح فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك . وكان رضي اللّه عنه يقول : تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم لا يسمعون إلا من حق ولا يقومون إلا عن وجد وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند مجاراة العلم فإنهم لا يذكرون إلا أحوال الأولياء وكان رضي اللّه عنه يقول : دخلت يوما على السرى فوجدت عنده رجلا مغشيا عليه فقلت له ما له فقال سمع آية من كتاب اللّه تعالى فقلت له يقرأ عليه الآية مرة أخرى فقرأت فأفاق الرجل فقال السرى من أين علمت هذا ؟ فقلت له إن قميص يوسف عليه السلام ذهب بسببه عينا يعقوب عليه السلام ثم عاد بصره به فاستحسن ذلك مني . وكان يقول مبنى التصوف على أخلاق ثمانية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، السخاء وهو لإبراهيم والرضا وهو لإسحاق والصبر وهو لأيوب والإشارة وهي لزكريا والغربة وهي ليحيى ولبس الصوف وهو لموسى والسياحة وهي لعيسى والفقر وهو لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعين ، وحكى لما حضرته الوفاة أوصى أن يدفن معه جميع ما هو منسوب إليه من علمه فقيل له ولم ذلك فقال أحببت أن لا يراني اللّه تعالى وقد تركت شيئا منسوبا إلى وعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهر الناس وكان يقول لا تصفو القلوب لعلم الآخرة إلا إذا تجردت من الدنيا فانظر في ابتداء أمرك على إخراج الدنيا من سرك واحذر أن لا يبقى عليك منها دفين هوى كامن فيك فيوقفك ذلك عن النفاذ والترقي ولا يقدر شيخك بنقلك عن ذلك خطوة ما دمت كذلك فاسمع له وأطع ، وسئل رضي اللّه عنه عن المعرفة باللّه هل هي كسب أو ضرورة فقال رضي اللّه عنه رأيت الأشياء تدرك بشيئين فما كان منها حاضرا فبالحسن وما كان منها غائبا فبالدليل ولما كان الحق تعالى غير باد لحواسنا كانت معرفته بالدليل والفحص إذ كنا لا نعلم الغيب والغائب إلا بدليل ولا نعلم الحاضر إلا بالحس . وكان رضي اللّه عنه يقول ما رأيت أحدا عظم الدنيا فقرت عينه فيها أبدا إنما تقر فيها عين من حقرها وأعرض عنها وكان يقول من فتح على نفسه باب نية حسنة فتح اللّه عليه سبعين بابا من التوفيق ومن فتح على نفسه باب نية سيئة فتح اللّه عليه سبعين بابا من الخذلان من حيث لا يشعر ، وكان رضي اللّه عنه يقول ما احتشم صاحبه أن
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 172 .